علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
287
ثمرات الأوراق
الثاني أعبد فيه النار ، وأسجد لها من دون اللّه الواحد القهار . والجزء الثالث : أتفكر فيه في أمر معاشي ومعادي ، وأمنع نفسي عن النوم في ذلك الجزء ، فإن النوم جهل وخمول إلا لضرورة . فقلت : هل لك فعل غير هذا ؟ قال : لا ، قلت : يفعل اللّه ما يشاء ويحكم ما يريد ، فيم استحققت يا بهرام الجنة ؟ قال : ويحك يا بن المبارك ! أتقطع لي بالجنة وأنت عالم المسلمين ؟ من أخبرك بذلك ؟ قلت : أخبرني الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى ، قال : فما القصة ؟ فحدّثته بالمنام الذي رأيته وبما قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم مرارا ، فقال : يا بن المبارك ، وهل لذلك علامة ظاهرة ؟ قلت : نعم . ادن مني ، فدنا ، فمسحت بيدي رأسه ووجهه وصدره وبدنه ، وأولاده ينظرون ، فصار شابّا حسنا طريّا سميعا بصيرا ، واسودّ شعره ، وابيضّت بشرته . فلمّا عاين ذلك قال : امدد يدك يا شيخ ، أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . ثم قال : يا شيخ ، أخبرك السبب الذي أوجب اللّه لي به هذه المنزلة ؟ قلت : نعم ، قال : كنت من مدة قد أولمت وليمة عامة للمسلمين والنصارى واليهود ، والمجوس خاصة ، فأكلوا وانصرفوا وانقضت الوليمة ، فلمّا كان في بعض الليل ، طرق طارق الباب وقد هدأ الناس ، ونام الخدام لما أصابهم من التعب بسبب الوليمة وأنا جالس منتبه ، فقلت : من بالباب ؟ فقال : يا بهرام ، أنا امرأة من جيرانك ، فأوقد لي هذا السراج - قال بهرام : والمجوس لا ترى إخراج النار من بيوتهم ليلا - فتحيّرت في أمري وقمت ولم أنبّه أحدا فأسرجت لها السراج ، فانصرفت وأطفأت السراج . وعادت وقالت : يا بهرام قد انطفأ فأسرجه لي ، فلمّا أسرجت ، قالت : يا بهرام واللّه ما جئتك لأجل سراج ، لكن جئتك من أجل ثلاث بنات شممن روائح طعامك ، فهنّ ملقيات على وجوههنّ ، يتضاوون كالمرأة الثكلى ، أو كالحبّة في المقلى ! فإن كان قد بقي في دارك فضل طعام فأعطني ، فإنك إن شاء اللّه تملك بذلك الجنة ، فقلت : حبّا وكرامة . فأخذت منديلا كبيرا ، فجعلت فيه من كل شيء كان في البيت من الحلو والحامض ، وأخرجت كيسا فيه ألف دينار ، وكيسا فيه ستة آلاف درهم ، وستة أثواب من ديباج ، وستة أثواب مروزية ، وشددت الجميع وقلت : احملي هذا إلى عيالك واقسمي عليهم . فمدّت يدها فلم تطق حمله لضعفها فقالت : يا بهرام أعنّي أعانك اللّه على الوقوف بين يديه ، وخفّف عليك الحساب في ذلك اليوم الشديد . فقلت : يا هذه ، كيف أفعل وأنا شيخ كبير ، وقد مضى عليّ مائة ونيف وثلاثون سنة ، ثم تفكرت لحظة وطاب لذلك قلبي ، فقلت لها : شيلي على رأسي . فشالته واستقلّ على رأسي ، فسال لذلك عرقي ، حتى صرت في منزلها ، فحططت الطعام ،